البخاري

تصدير 87

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

خمسمائة درهم في الشهر وهو زاهد متقشف ، والخبز إذ ذاك خمسة أمنان بدرهم ، فما مصارفها ؟ إنّه لا جواب على ذلك غير التنبيه إلى قوله : « وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى » فزاده لا ينفق فيه أكثر من دراهم معدودة ، وجلّ الخمسمائة مصروف إلى وجوه الخير ، وفي سبيل اللّه ، فقد كان سخيا على الطلاب ، كثير الإحسان إليهم ، مفرطا في الكرم معهم ( هدى الساري 2 - 196 ) . والبر في مثل هذا الوجه يكون في العادة مستورا بالكتمان ، حرصا على مشاعر الطلاب ، فلا يدرى إلّا اللّه مقدار ما كان يبذل فيه ، ولكنه كان يظهر في مناسبات عامة لا مندوحة فيها عن الإعلان ، فقد كان - رضوان اللّه عليه - يعرض له من أسباب البر بالفقراء ، ما يحمله على الإلطاف إليهم جماعات ، وكان ينفق المال ويشارك بالعمل ، لتدبير المنافع العامّة ، وتوفير الصالح من أمور المسلمين ، كسدّ الثغور ، وبناء الأربطة في الأطراف المخوفة ، وفي هذا الوجه وذاك ، يتبين مبلغ بذله وسخائه على البر والخير . وقد خرج يوما للتدرب على الرماية ، فأصاب سهمه وتد قنطرة فشقه ، فعاد لتوه مهموما ، وأرسل محمّد بن أبي حاتم يتحرم له من صاحب القنطرة ، ويستجيزه في أن يقيم وتدا بدله ، أو يدفع ثمنه ، فأجمل الرجل في جوابه ، وأحلّه دون فدية ممّا كان ، ويقول ابن أبي حاتم : فأبلغته الرسالة ، فتهلل وجهه ، وأظهر سرورا كثيرا ، وقرأ ذلك اليوم للغرباء خمسمائة حديث ، وتصدق بثلاثمائة درهم ( هدى الساري 2 - 195 ) .